أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
126
التوحيد
في شيء حكمة أو سفها ، ولا قوة إلّا باللّه . على أن الذي دعى الثنوية إلى إنكار شيء من لا شيء خروجه عن التصور في العقول ، أو تقديرهم في تعرّف الحكمة في العقل ما عاينوا بينهم ، ولو علموا أن القول بمبادئ العالم على ما عندهم في الخروج من التصور في الوهم مثل الذي أنكروا ، أو خروج ما معهم من الروح والعقل والحواس ، أو خروج حكمهم عن التصور في الوهم لما أنكروا . ثم لو علموا أنهم شهدوا فعل الضعفاء الجهال بأنفسهم على ما علموا بالخبر أنهم ، ثم كانوا ، لعلموا أن الأشياء من غير شيء أحق أن تنسب إليه ، من به جملة العالم . ثم لو علموا غناه وقدرته وتعاليه عن صفة الخلق لم تضق قلوبهم عند قصورها عن درك الحكمة في خلقه ، وعلى اللّه نتوكل ، وبه نستعين . وذكر جعفر بن حرب « 1 » أنه سأل ثنويا عمن قتل آخر ظلما ثم اعتذر إليه وأقر بالإساءة ، فألزمه أن الثاني خير ، ولو كان من غيره جوهر الأول كان كذبا من النور وهو شر . فكتب ذلك إلى رئيس لهم ، فكتب الرئيس مجيبا : إن ذلك كمن ينفح دابته ويعتذر هو . فقال جعفر : إنما ذلك توجّع منه ، ولو اعتذر في الحقيقة كان جاهلا ، إلا أن يكون الاعتذار من تقريبه الدابة إليه . فأسلم الرجل ، وحق له أن يسلم ، وما ذكر ابن حرب لازم ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم المسألة على قول المعتزلة خطأ ؛ إذ من مذهبهم أن ليس في خلق اللّه شر ، وإنما سمي شرا بالمجاز ، فإنما طريق مناظرتهم الثنوية في إزالة ما ظنوه شرا أن يكون شرا ، فأما أن يسلموا الثنوية ويلزمهم القول بالخالق الواحد من الوجه الذي يوجد من غير اللّه تعالى الوجهين جميعا ويجعلونه على الصانع فيجد القول بنفي ذلك ، فهو محال فاسد ؛ لما فيه تثبيت معرفته وتوحيده يخلق الشر والخير ثم ينفي أحدهما في الحقيقة ، رجعت إلى قول الثنوية بأن الذي منه خلق الشر في الحقيقة غير الذي منه خلق الخير ، فيلزمه التوحيد بالتثنية ، ووجه قولهم في هذا أنهم أنكروا خلق أفعال العباد بما فيها السيئات والمعاصي والشرور ، فعورضوا بخلق الشرور من الجواهر ، وأنه لم يسم به شريرا ولا مسيئا ، ولا إفساد الأشياء مفسدا ، فكذلك في خلق أفعال الشر والفساد لا يسمى به ، فكان من جوابهم أن الجواهر سميت شرا على المجاز لا على الحقيقة ، وهي في الحقيقة ليست بالشر . وأما عندنا فنحن نقول بأن اللّه جل جلاله خالق جوهر الشر والخير وخالق فعل
--> ( 1 ) هو أبو الفضل جعفر بن حرب الهمذاني المعتزلي العابد درس الكلام بالبصرة على أبي الهذيل العلاف . مات سنة 236 ه وهو ابن تسع وخمسين سنة ( تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ، ذكر من اسمه جعفر [ 7 / 162 ] .